سليمان بن موسى الكلاعي

235

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

خيل عظيمة ، هي أعظم من الخيلين جميعا ، عليها بطريق عظيم من بطارقتهم ، فجاء حتى إذا دنا من خالد ، أمر بشطر خيله ، فحملت على خالد وأصحابه ، فلم يتخلخل أحد منهم ، ثم إنه جمعهم جميعا ، فحمل بهم ، فلم يبرح أحد من المسلمين ، فلما رأى ذلك الرومي انصرف . فقال خالد لأصحابه : إنه لم يبق من جد القوم ولا حدهم ولا قوتهم إلا ما قد رأيتم ، فاحملوا معي يا أهل الإسلام حملة واحدة واتبعوهم ولا تقلعوا عنهم رحمكم الله . ثم حمل عليهم خالد بمن معه ، فكشف من يليه منهم ، وحمل قيس بن هبيرة على الذين كانوا يلونه فهزمهم وكشفهم ، وحمل ميسرة على الذين كانوا يلونه ، فهزمهم ، واتبعهم المسلمون يقتلونهم ويقصفون بعضهم على بعض ، حتى اضطروهم إلى عسكرهم وقد رأوا ما أصابهم ، فانكسروا ووهنوا وهابوا المسلمين هيبة شديدة ، وانصرف المسلمون إلى عسكرهم وقد قرت أعينهم ، واجتمعوا إلى أبى عبيدة وهم مسرورون بما أراهم الله في عدوهم من عونه لهم عليهم فقال له خالد : إن هزيمتنا خيل المشركين قد دخل رعبها قلوب جماعتهم ، فكلهم قلبه مرعوب متخوف لمثلها منا مرة أخرى ، فناهض القوم غدا بالغداة ما دام رعب هذه الهزيمة في قلوبهم ، فإنك إن أخرت قتالهم أياما ذهب رعبها من قلوبهم واجترؤوا علينا . قال أبو عبيدة : فانهضوا على بركة الله غدا بالغداة . قال عمرو بن مالك القيسي : ولم يكن شئ أحب إلى الروم من التطويل ودفع الحرب ، انتظارا لمدد ، ولا شئ أحب إلى المسلمين من المناجزة وتعجيل الفراغ . وقال عبد الله بن قرط : لما كانت الليلة التي خرجنا في صبيحتها إلى أهل فحل ، خرج إلينا أبو عبيدة في الثلث الباقي من الليل ، فلم يزل يعبئ الناس ويحرضهم حتى إذا أصبح صلى بالناس ، فكان إلى التغليس أقرب منه إلى التنوير ، ثم إنه جعل على ميمنته معاذ بن جبل ، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة ، وعلى الرجالة سعيد بن زيد ، وعلى الخيل خالد بن الوليد ، ثم زحف أبو عبيدة بالناس ، وأخذوا يزفون زفا رويدا على رسلهم . وركب أبو عبيدة فاستعرض الصف من أوله إلى آخره ، يقف على كل راية وكل قبيلة ، ويقول : عباد الله ، استوجبوا من الله النصر بالصبر ، فإن الله مع الصابرين ، عباد الله ، ليبشر من قتل منكم بالشهادة ، ومن بقي بالنصر والغنيمة ، ولكن وطنوا أنفسكم على القتال والطعن بالرماح ، والضرب بالسيوف ، والرمي بالنبل ، ومعانقة الأقران ، فإنه والله ما يدرك ما عند الله إلا بطاعته والصبر في المواطن المكروهة التماس رضوانه .